في المراحل الأولى من أي تقنية جديدة، يكون النقاش عالي الصوت.
من الأسرع؟
من الأرخص؟
من الأكثر تداولًا؟
هذه الأسئلة تسيطر على المشهد عندما يكون السوق في مرحلة الاكتشاف.
لكن مع مرور الوقت، يحدث تحوّل أقل ضجيجًا.
الأسئلة تبدأ في التغيّر:
ما الذي يعتمد عليه الآخرون بالفعل؟
وأي عنصر يؤدي غيابه إلى تعطّل المنظومة؟
هنا تبدأ مرحلة مختلفة تمامًا.
مرحلة لا يكون فيها المشروع محل نقاش،
بل جزءًا من الواقع التشغيلي.
في عالم Web3، كثير من المشاريع تُقيَّم بناءً على حضورها الإعلامي،
لكن القليل فقط يُقاس بمدى اعتماد الأنظمة الأخرى عليه.
وهذا الفرق هو ما يفصل بين مشروع “ملحوظ”
ومشروع “ضروري”.
الاعتماد الحقيقي لا يكون صاخبًا.
عندما يعمل كل شيء كما ينبغي،
لا يلاحظ أحد البنية التحتية.
لكن عند غيابها،
تظهر قيمتها فورًا.
المشاريع التي تصل إلى هذه المرحلة
لا تحتاج إلى إثبات نفسها يوميًا.
وجودها يُفترض،
ودورها يصبح جزءًا من سير العمل الطبيعي.
هذا النوع من المشاريع لا يُبنى بالصدفة.
غالبًا ما يكون واضحًا في حدوده،
محددًا في وظيفته،
ولا يحاول أن يكون كل شيء للجميع.
هذا الوضوح لا يقلّل من قيمته،
بل يزيد من قابليته للاعتماد.
في المقابل، كثير من المشاريع تفشل
لأنها تسعى للبقاء في دائرة الضوء باستمرار.
لكن الاعتماد لا يتكوّن في الضوء،
بل في الاستخدام المتكرر والهادئ.
عندما تبدأ الأنظمة الأخرى في البناء فوق مشروع ما،
وعندما يصبح استبداله مكلفًا أو معقّدًا،
تتغيّر طبيعته بالكامل.
لم يعد خيارًا،
بل أصبح جزءًا من الواقع.
في هذه المرحلة،
لا يعود السؤال:
هل المشروع مثير؟
ولا حتى:
هل المشروع ناجح؟
بل يصبح السؤال:
هل يمكن للنظام أن يعمل بدونه؟
هذا هو الاختبار الحقيقي لأي مشروع في Web3.
اختبار لا يقاس بالترند،
ولا بعدد المتابعين،
بل بعمق الارتباط داخل المنظومة.
مع نضوج السوق،
تتراجع قيمة الإبهار المؤقت،
وتظهر أهمية الاعتماد الصامت.
المشاريع التي صُممت لتؤدي دورًا محددًا بوضوح،
هي التي تجد مكانها في هذه المرحلة.
في النهاية،
النجاح الحقيقي في Web3
ليس أن يتحدث عنك الجميع،
بل أن يعتمد عليك الجميع
دون أن يضطروا إلى الحديث.
السؤال الأهم لم يعد:
من الأكثر حضورًا؟
بل:
من أصبح جزءًا لا يمكن تجاهله من الواقع؟
