تايوان ليست دولة خرجت من رحم القانون الدولي بل ملف مؤجل منذ 1949 بل قطعة من الجغرافيا الصينية فُصلت سياسيًا بفعل حرب أهلية ثم جُمّدت عمدًا داخل ثلاجة الحرب الباردة لا حبًا في أهلها ولا احترامًا لحق تقرير المصير بل لأنها تحولت لاحقًا إلى أصل استراتيجي لا يُقدّر بثمن. الحديث عن استقلال تايوان هو أحد أكبر الأكاذيب النظيفة التي روّج لها النظام الدولي لأن الواقع القانوني البارد يقول إن غالبية دول العالم بما فيها الولايات المتحدة نفسها تعترف بمبدأ الصين الواحدة لكن واشنطن اخترعت الصيغة الأكثر نفاقًا في التاريخ الحديث و هي الاعتراف دون الالتزام والدعم دون إعلان والحماية دون سيادة.
تايوان إقليم حكم ذاتي بحكم الأمر الواقع محمي عسكريًا مستثمر اقتصاديًا ومُستغل تكنولوجيًا.
منذ السبعينيات حين قررت الولايات المتحدة نقل اعترافها من تايبيه إلى بكين لم تتخلَّ عن الجزيرة بل حوّلتها إلى أصل غير مُعلن في ميزان القوى.
ثم جاءت الضربة الكبرى و هي صناعة أشباه الموصلات.
هنا تغيّر كل شيء،لم تعد تايوان مجرد ورقة سياسية بل أصبحت قلب النظام العصبي للعالم الصناعي.
شركة Taiwan Semiconductor Manufacturing Company، الاسم الذي يُختصر بـTSMC ليست مجرد عملاق صناعي بل هي الاختناق أو التنفس للاقتصاد العالمي.
أكثر من 60٪ من مجمل الرقائق المتقدمة في العالم تُصنّع داخل تايوان، وأكثر من 90٪ من الرقائق المتطورة تحت 7 نانومتر تخرج من مصانع TSMC تحديدًا.
عند 5 نانومتر و3 نانومتر نحن نتحدث عن احتكار شبه مطلق،هذه الشرائح تدخل في كل شيء معالجات Apple M-series بطاقات NVIDIA التي تشغّل الذكاء الاصطناعي و خوادم Microsoft وAmazon أنظمة الرادار المتقدمة و الطائرات المقاتلة F-3و الصواريخ الذكية وأنظمة الدفاع الجوي و الأقمار الصناعية وحتى شبكات الاتصالات العسكرية المشفرة.
بهذا المعنى، تايوان لم تعد مجرد جزيرة ديمقراطية مهددة بل تحولت إلى مخزن الأعصاب للعصر ومن يسيطر على الأعصاب لا يحتاج إلى السيطرة على العضلات.
السؤال الحقيقي إذًا ليس هل ستغزو الصين تايوان؟
بل كيف ستُعيد الصين فرض سيادتها دون تدمير ما تريد امتلاكه؟
الصين ليست دولة متهورة بل دولة تفكر بمنطق القرن لا بمنطق الدورة الانتخابية.
بكين تعرف أن ضربة عسكرية مباشرة تُدمّر مصانع TSMC تعني انتحارًا استراتيجيًا لأن هذه الصناعة لا تُعاد بناؤها بالمال وحده بل بثقافة هندسية تراكمت ثلاثين سنة وبسلسلة توريد تمتد من آلات ASML الهولندية فائقة الدقة إلى مواد كيميائية يابانية إلى برمجيات تصميم أمريكية.
لذلك السيناريو الأكثر واقعية ليس الاجتياح بل الخنق البارد عبر ضغط عسكري محسوب و حصار بحري قابل للإنكار و إنهاك سياسي وإقناع العالم بأن الاستقرار يمر عبر التفاهم مع بكين لا عبر التصعيد.
إذا حدث ذلك عادت تايوان فعليًا إلى السيادة الصينية فإن الولايات المتحدة ستكون الخاسر الأكبر لا لأن الصين ستربح أرضًا بل لأن واشنطن ستخسر وظيفة تاريخية.
وظيفة شرطي التكنولوجيا.
أمريكا بنت هيمنتها بعد الحرب العالمية الثانية على التحكم في مفاتيح النظام العالمي عبر الدولار و الطاقة والمؤسسات ثم التكنولوجيا و الرقاقة كانت آخر وأهم مفاتيح السيطرة. لذلك حين فرضت واشنطن قيود تصدير على الصين في 2022 و2023، وحظرت وصول بكين إلى شرائح متقدمة ومعدات تصنيع، لم تكن تحمي “الأمن القومي” فقط بل كانت تحاول كسب الوقت.
مصانع أريزونا التي يتباهى بها ترامب والمليارات التي ضُخت عبر قانون CHIPS، لن تعوّض تايوان قبل عقد كامل في أحسن الأحوال وحتى ذلك مشروط باستقرار سياسي وتدفق عقول لا تضمنه أمريكا نفسها.
سيطرة الصين على تايوان تعني أن أمريكا ستفقد القدرة على الخنق التكنولوجي و ستظل قوة عسكرية هائلة
لكنها ستكون للمرة الأولى منذ 1945 قوة لا تتحكم
وحدها في سرعة التطور.
وهذا كابوس استراتيجي لأن الحرب الحديثة لا تُحسم بعدد الجنود بل بسرعة المعالجة و من يرى أولًا يضرب أولًا ومن يحسب أسرع ينتصر قبل أن يشرح خصمه ما الذي جرى.
أما أوروبا فقصتها أكثر فجاجة .
أوروبا لا “تحب” الصين ،أوروبا تهرب من أمريكا.
منذ أزمة أوكرانيا اكتشفت العواصم الأوروبية أنها دفعت الثمن كاملًا .
طاقة أغلى و تضخم أعلى ومصانع تُغلق و صناعات تُهاجر إلى الولايات المتحدة بفعل قوانين دعم أمريكية عدوانية بينما يُطلب منها أن تصفق باسم القيم.
أوروبا شعرت لأول مرة بوضوح أنها ليست شريكًا بل تابعًا. لذلك بدأ الغزل بالصين لا كخيار حضاري بل كورقة ضغط. الصين سوق ضخم و مستثمر صبور ولا يُلقي دروسًا أخلاقية بينما يسرق القاعدة الصناعية و بروكسل تفهم أن بكين لا تريد أوروبا ضعيفة بل زبونًا قويًا بينما واشنطن تريدها ضعيفة لتبقى محتاجة للحماية.
لو عادت تايوان إلى الصين فإن أوروبا ستُعيد صياغة خطابها خلال أشهر و ستتحدث عن الاستقرار و عن تجنب التصعيد و عن الحوار وستفتح قنوات لضمان وصولها إلى الرقائق والأسواق.
يا سادة المبادئ الأوروبية مرنة بمرونة سعر الكهرباء.
أما بقية العالم فسيشهد نهاية وهم القطب الواحد.
دول آسيا و الشرق الأوسط و إفريقيا وأمريكا اللاتينية ستفهم أن النظام لم يعد يُدار من مركز واحد لكن هذا لا يعني حرية بل خيارات قسرية.
العالم سينقسم إلى منظومتين تكنولوجيتين.
منظومة تقودها الصين وأخرى تقودها أمريكا و الرقاقة ستصبح جواز سفر و من يختار منظومة يلتزم بمعاييرها و شبكاتها وشروطها السياسية.
تايوان لم تكن يومًا قضية أخلاقية بل عقدة وظيفية في نظام عالمي مختل و إعادتها إلى الصين إن حصلت لن تكون نهاية العالم لكنها نهاية مرحلة الهيمنة غير المتنازع عليها.
فمن يملك الرقاقة يملك الزمن ومن يملك الزمن يفرض شروط التاريخ وكل ما عدا ذلك من خطابات الديمقراطية إلى نواح القانون الدولي ليس سوى موسيقى خلفية في مسرح تُدار فيه القوة بأصغر قطعة في هذا العصر ، شريحة سيليكون بحجم ظفر لكنها أثقل من حاملات الطائرات.